📊 آخر التحليلات

الفقر متعدد الأبعاد: عندما لا يكفي المال لقياس المعاناة

مكعب روبيك غير مكتمل الألوان، كل وجه يمثل بعدًا من أبعاد الفقر (الصحة، التعليم، الدخل)، يرمز إلى تعقيد الفقر متعدد الأبعاد.

تخيل أسرة لديها دخل شهري يكفي بالكاد لشراء الطعام، لكنها تعيش في منطقة لا توجد بها مدرسة، وأقرب مستشفى يبعد ساعات، ومياه الشرب ملوثة. هل هذه الأسرة فقيرة؟ وفقًا لمقاييس الدخل التقليدية، قد تكون "فوق خط الفقر" بقليل. لكن في الواقع، هي تعيش حرمانًا قاسيًا يمنعها من الحياة الكريمة. هذا القصور في الرؤية هو ما دفع علماء الاجتماع والاقتصاد لتطوير مفهوم أعمق وأشمل: الفقر متعدد الأبعاد (Multidimensional Poverty).

الفقر ليس مجرد "جيب فارغ". إنه تجربة معقدة من الحرمان تتشابك فيها الصحة، والتعليم، ومستوى المعيشة، والتمكين الاجتماعي. هذا المقال هو رحلة لتوسيع عدستنا، لنرى الفقر كما يعيشه الفقراء حقًا، وليس كما تراه جداول البيانات المالية فقط.

لماذا فشل مقياس "الدولار في اليوم"؟

لفترة طويلة، كان العالم يقيس الفقر بناءً على الدخل فقط (مثل 1.90 دولار في اليوم). لكن هذا المقياس الأحادي أثبت فشله لعدة أسباب:

  • المال لا يشتري كل شيء: قد يكون لديك مال، لكن لا توجد مدرسة جيدة في قريتك، أو لا يوجد طبيب يعالجك. الدخل وسيلة، وليس غاية.
  • الأسواق غير موجودة: في بعض المناطق الريفية أو المعزولة، لا توجد أسواق تعمل بكفاءة لتحويل المال إلى خدمات.
  • تجاهل الديناميكيات الاجتماعية: لا يخبرنا الدخل شيئًا عن التمييز، أو العزلة، أو انعدام الأمن الذي يعيشه الفقراء.

لذلك، ظهرت الحاجة لمقياس ينظر إلى "النتائج" (هل الطفل متعلم؟ هل الأسرة بصحة جيدة؟) بدلاً من "المدخلات" (كم يملكون من المال).

أبعاد الفقر الثلاثة: تشريح الحرمان

يعتمد "مؤشر الفقر متعدد الأبعاد" (MPI) الذي طورته الأمم المتحدة وجامعة أكسفورد على ثلاثة أبعاد رئيسية تتفرع منها عشرة مؤشرات:

1. الصحة (الحرمان من الحياة)

الفقر يعني الموت المبكر أو الحياة في ألم. يشمل هذا البعد:

  • التغذية: هل يعاني أي فرد في الأسرة من سوء التغذية؟
  • وفيات الأطفال: هل فقدت الأسرة طفلاً؟ هذا المؤشر هو الأكثر قسوة وتعبيرًا عن فشل المجتمع في توفير الأمان الاجتماعي الصحي.

2. التعليم (الحرمان من المستقبل)

التعليم هو الرافعة الوحيدة للخروج من الفقر. الحرمان منه يعني توريث الفقر للأجيال القادمة. يشمل:

  • سنوات الدراسة: هل أتم أي فرد في الأسرة 5 سنوات من التعليم؟
  • الانتظام المدرسي: هل هناك طفل في سن المدرسة لا يذهب إليها؟ هذا يرتبط بظواهر مثل عمالة الأطفال والزواج المبكر.

3. مستوى المعيشة (الحرمان من الكرامة)

يتعلق بالبيئة المادية التي يعيش فيها الإنسان. يشمل 6 مؤشرات: وقود الطهي (هل يطبخون بالحطب الملوث؟)، الصرف الصحي، مياه الشرب، الكهرباء، السكن (الأرضية الترابية)، والأصول (امتلاك راديو، تلفزيون، هاتف). غياب هذه الأساسيات يجرد الإنسان من كرامته ويجعله عرضة للأمراض والعزلة الاجتماعية.

الفقر كعلاقة اجتماعية: الإقصاء والعجز

يضيف علماء الاجتماع بُعدًا رابعًا غير رسمي ولكنه حاسم: البعد الاجتماعي والسياسي. الفقر متعدد الأبعاد يعني أيضًا:

  • الإقصاء الاجتماعي: الشعور بالدونية، والعار، وعدم القدرة على المشاركة في المناسبات الاجتماعية أو الظهور بمظهر لائق في الأماكن العامة.
  • انعدام الصوت (Voicelessness): الفقراء غالبًا ما يكونون غير مرئيين لصناع القرار، وغير قادرين على التأثير في السياسات التي تمس حياتهم. هذا العجز السياسي هو وجه آخر للفقر.
  • الفقر الزمني: خاصة بالنسبة للنساء، اللواتي يقضين ساعات طويلة في جلب المياه أو الحطب أو رعاية الأسرة، مما يحرمهن من الوقت للعمل أو التعليم أو الراحة.
مقارنة بين منظور الفقر المادي ومنظور الفقر متعدد الأبعاد
الجانب الفقر المادي (التقليدي) الفقر متعدد الأبعاد (الحديث)
المقياس الدخل أو الاستهلاك (بالدولار). الحرمان من الحقوق والخدمات.
الافتراض المال يحل كل المشاكل. الرفاهية تتطلب أكثر من المال.
الحل المقترح النمو الاقتصادي وزيادة الدخل. السياسات الاجتماعية المتكاملة (صحة، تعليم، بنية تحتية).
الرؤية للإنسان مستهلك اقتصادي. كائن اجتماعي ذو احتياجات وحقوق.

خاتمة: سياسات ترى الإنسان لا الجيب

إن تبني منظور الفقر متعدد الأبعاد ليس ترفًا أكاديميًا، بل هو ضرورة لسياسات فعالة. إنه يخبرنا أن بناء مدرسة في قرية فقيرة قد يكون أهم من توزيع مساعدات نقدية، وأن توفير مياه نظيفة هو استثمار اقتصادي لأنه يحمي صحة العمال والأطفال.

القضاء على الفقر يتطلب استراتيجية شاملة تهاجم الحرمان من كل الجبهات، وتعيد للإنسان قدراته وكرامته. إنه تحقيق لـ العدالة الاجتماعية بمفهومها الأوسع، حيث لا يُترك أحد خلف الركب لمجرد أنه ولد في المكان الخطأ أو الظرف الخطأ.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

هل يمكن لشخص أن يكون فقيرًا ماديًا وغير فقير متعدد الأبعاد؟

نعم، نظريًا. قد يكون شخص دخله منخفضًا لكنه يستفيد من خدمات عامة ممتازة (تعليم وصحة مجانيين، سكن مدعوم). هذا يوضح أهمية دور الدولة في توفير الخدمات العامة لكسر حدة الفقر المادي.

كيف يختلف الفقر متعدد الأبعاد في الدول العربية؟

في الدول العربية، يبرز الفقر متعدد الأبعاد بشكل خاص في المناطق الريفية ومناطق النزاع. كما أن هناك فجوة كبيرة بين الجنسين، حيث تعاني النساء من حرمان أكبر في التعليم والتمكين، حتى لو كانت الأسرة ككل تبدو ميسورة الحال.

هل هذا المفهوم ينطبق على الدول الغنية؟

نعم. حتى في الدول المتقدمة، هناك جيوب من الفقر متعدد الأبعاد (مثل المشردين، أو المهاجرين غير الشرعيين) الذين يعانون من الإقصاء الاجتماعي وضعف الصحة والتعليم، رغم أن دخلهم قد يكون أعلى من خط الفقر العالمي.

ما هي "فقر القدرات" (Capability Poverty)؟

هو مفهوم طوره الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا صن، وهو الأساس الفكري للفقر متعدد الأبعاد. يرى أن الفقر هو الحرمان من "القدرات" الأساسية (القدرة على أن تكون بصحة جيدة، القدرة على التعلم، القدرة على المشاركة). الهدف من التنمية هو توسيع هذه القدرات (الحريات) وليس فقط زيادة الدخل.

Ahmed Magdy
Ahmed Magdy
مرحبًا، أنا أحمد مجدي، باحث حاصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع. أجمع بين خبرتي الأكاديمية وشغفي بالتدوين وتبسيط المعرفة، وأوظف الأدوات الرقمية والبحث العلمي لتقديم محتوى عميق وميسر في القضايا الاجتماعية والمجالات التقنية.
تعليقات