تخيل أسرة لا تعتبر "فقيرة" وفقًا للإحصائيات الرسمية. الأب يعمل، والأطفال في المدرسة، ولديهم سقف يؤويهم. لكن، لو مرض الأب غدًا، أو فقد وظيفته، أو ارتفعت أسعار الخبز قليلًا، ستنهار حياتهم بالكامل. هذه الحالة من العيش "على الحافة"، حيث تفصلك خطوة واحدة خاطئة عن الكارثة، هي ما يسميه علماء الاجتماع الهشاشة الاجتماعية (Social Vulnerability).
الهشاشة ليست الفقر، بل هي "خطر الوقوع في الفقر". إنها شعور دائم بعدم الأمان، وبأن الأرض تحت قدميك قد تنشق في أي لحظة. في عالمنا المعاصر المتقلب، لم تعد الهشاشة تقتصر على الفقراء، بل تسللت لتصيب قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى. هذا المقال هو تحليل لهذه الظاهرة المقلقة: ما هي جذورها؟ ومن هم ضحاياها؟ وكيف يمكننا بناء مجتمعات أكثر صلابة؟
تشريح الهشاشة: معادلة الخطر والقدرة
يمكن فهم الهشاشة الاجتماعية كمعادلة بسيطة: الهشاشة = (التعرض للمخاطر) - (القدرة على المواجهة).
- التعرض للمخاطر (Exposure): هو مدى احتمالية تعرض الفرد لصدمات (مثل فقدان الوظيفة، المرض، الكوارث الطبيعية، الأزمات الاقتصادية). في عصر التحولات الاجتماعية المعاصرة، ازدادت هذه المخاطر حدة وتكرارًا.
- القدرة على المواجهة (Coping Capacity): هي الموارد التي يمتلكها الفرد للتعامل مع هذه الصدمات (مدخرات، تأمين، شبكة علاقات، مهارات). عندما تكون المخاطر عالية والقدرة منخفضة، تكون الهشاشة في أقصاها.
أوجه الهشاشة: أين تكمن التصدعات؟
تظهر الهشاشة في عدة جوانب من الحياة، وغالبًا ما تتراكم فوق بعضها البعض:
1. الهشاشة الاقتصادية (العمل غير المستقر)
هذا هو الوجه الأكثر شيوعًا. الموظف بعقد مؤقت، والعامل في اقتصاد الظل، وسائق التوصيل في الاقتصاد التشاركي، كلهم يعانون من هشاشة اقتصادية. دخلهم قد يكون جيدًا اليوم، لكنه غير مضمون غدًا. غياب الأمان الاجتماعي (تأمين صحي، معاشات) يجعل أي أزمة صغيرة تتحول إلى كارثة.
2. الهشاشة الاجتماعية (العزلة)
الإنسان الهش اجتماعيًا هو الذي يفتقر إلى شبكة دعم. إنه المسن الذي يعيش وحيدًا، أو المهاجر الجديد الذي لا يعرف أحدًا، أو الأم العازبة المنعزلة. في أوقات الأزمات، لا يجد هؤلاء من يقرضهم المال أو يرعى أطفالهم أو حتى يواسيهم. هذه العزلة تزيد من وطأة أي صدمة وتجعل التعافي منها أصعب.
3. الهشاشة البيئية والمكانية
الفقراء والمهمشون غالبًا ما يعيشون في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر البيئية (مناطق فيضانات، بجوار مصانع ملوثة، أو في إسكان عشوائي غير آمن). عندما تقع كارثة طبيعية، يكونون هم أول الضحايا وأكثرهم تضررًا، وأقلهم قدرة على إعادة البناء.
من هم "الهشون"؟ خارطة الضحايا
الهشاشة لا توزع بالتساوي. هناك فئات تدفع الثمن الأكبر:
- النساء: خاصة النساء المعيلات، اللواتي يتحملن مسؤولية الأسرة بموارد محدودة ووظائف غير مستقرة.
- الشباب: الذين يواجهون ضغوطًا اقتصادية هائلة وبطالة مرتفعة، مما يؤخر استقلالهم ويجعلهم عرضة لأي تقلب اقتصادي.
- المسنون: خاصة أولئك الذين لا يملكون تقاعدًا كافيًا ويعانون من تدهور الصحة والعزلة.
| الجانب | الفقر (Poverty) | الهشاشة (Vulnerability) |
|---|---|---|
| التركيز | الوضع الحالي (نقص الموارد الآن). | الوضع المستقبلي (خطر فقدان الموارد). |
| الديناميكية | حالة ثابتة نسبيًا (ساكنة). | حالة متغيرة وديناميكية. |
| الشعور النفسي | حرمان وعجز. | قلق، خوف، وعدم أمان. |
| الهدف من السياسات | تلبية الاحتياجات الأساسية. | بناء القدرة على الصمود (Resilience). |
خاتمة: من الهشاشة إلى الصمود
إن معالجة الهشاشة الاجتماعية تتطلب تغييرًا في طريقة تفكيرنا. لا يكفي أن نساعد الناس بعد أن يسقطوا (إغاثة)، بل يجب أن نمنع سقوطهم من الأساس (وقاية). الحل يكمن في بناء "مجتمعات صامدة" (Resilient Societies).
هذا يتطلب تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لتشمل الجميع، وتنظيم سوق العمل لحماية العمال المؤقتين، والاستثمار في التعليم والصحة لتمكين الأفراد، وبناء روابط تضامن مجتمعي قوية. عندما نحول الخوف من المستقبل إلى ثقة في القدرة على مواجهته، نكون قد قضينا على الهشاشة.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
هل يمكن لشخص غني أن يكون هشًا اجتماعيًا؟
نعم، وإن كان بدرجة أقل. الهشاشة ليست مادية فقط. شخص غني يعاني من مرض مزمن خطير، أو يعيش في عزلة تامة بلا عائلة أو أصدقاء، أو يعيش في دولة غير مستقرة سياسيًا، هو شخص هش. المال يوفر حماية، لكنه لا يلغي كل المخاطر.
كيف أثرت جائحة كورونا على الهشاشة الاجتماعية؟
لقد كشفت الجائحة عن حجم الهشاشة المستترة في مجتمعاتنا. الملايين الذين كانوا يعتقدون أنهم "آمنون" وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل وبلا دخل. لقد أظهرت أن الهشاشة ليست مشكلة "الآخرين"، بل هي خطر يهدد الجميع في عالم مترابط.
ما هو مفهوم "المرونة" (Resilience) وكيف يرتبط بالهشاشة؟
المرونة هي نقيض الهشاشة. إنها قدرة الفرد أو المجتمع على امتصاص الصدمات، والتعافي منها بسرعة، والتكيف مع الظروف الجديدة. بناء المرونة هو الهدف الأساسي لأي سياسة تهدف لمحاربة الهشاشة.
هل الهشاشة الاجتماعية تؤدي إلى التطرف؟
يمكن أن تكون عاملاً مساهمًا. الشعور المستمر بعدم الأمان والظلم والخوف من المستقبل يجعل الأفراد أكثر عرضة لتقبل الخطابات المتطرفة التي تعدهم بـ "اليقين" و"الحماية" و"الانتماء" في جماعة قوية، حتى لو كانت هذه الوعود زائفة.
